محمد بن محمد حسن شراب
121
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
وفي البيت الخامس : يقول : أخذت في مسيري لمّا أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها ، ملتفتا إلى ما خلفته من الحيّ ، وأرض نجد حتى وجدتني وجع « الليت » ، واللّيت : بالكسر ، صفحة العنق ، وقيل : أدنى صفحتي العنق من الرأس عليهما ، ينحدر القرطان . والأخدع : هما أخدعان ، وهما عرقان خفيان في موضع الحجامة من العنق . قال المرزوقي : وقد قيل فيه : إن من رموزهم أنّ من خرج من بلد فالتفت وراءه ، رجع إلى ذلك البلد . وانتصب « ليتا » ؛ لأنه تمييز ملحوظ ، محوّل عن الفاعل ، ومثله : تصببت عرقا ، وقررت به عينا . قال أبو أحمد : وقول المرزوقي إنّ من رموزهم كذا ، هذا كلام واقع ، وعليه شواهد من أيامنا ، فما زلت أذكر آخر زيارة إلى أهلي في خان يونس حوالي سنة 1978 م ، وبعد أسابيع أمضيتها في مرابع الطفولة والصبا ، حان وقت الرحيل ، حيث انتهت المدة التي منحها لنا الأعداء ؛ لزيارة أرضنا وأهلنا ، وفي فجر يوم ، جاءت السيارة التي تقلنا إلى الجسر المجاور لمدينة أريحا ، فكان ساعتها مشهد المودعين يخلع القلب ، ويقرح الجفون ، ويصدع الأكباد ، لم يبق طفل ، أو شيخ ، أو مخبأة إلا وقف للوداع ، حتى ضاق الزقاق بالمودعين ، وارتفعت الأصوات ، واشتد النحيب ، ومن باب الدار إلى آخر الزقاق ، ما يقارب مائة ذراع ، قطعناها في ساعات نخطو خطوة ، ثم نقف وما كنت أدري ، أيوقفني الزحام ، أم تشدني الديار ، فلا أحب أن أصل إلى المركبة التي تحملني إلى ديار الغربة ، وما زال يرنّ في أذني صوت أختي ، أم سليمان ، تقول لي : تلفّت خلفك ، تعيدها مرات كلما خطوت خطوات ، فألتفت ، فأرى البيت والأهل ، وكنت أظنّ أنها تطلب مني الالتفات ؛ لوداع المشيعين ، وليروا طلعة ابنهم ، وأخيهم ، وعمهم ، وخالهم ، وابن عمهم ، و . . فلما قرأت ما كتبه المرزوقي ، عرفت السبب في طلب الالتفات ؛ وذلك تفاؤلا بالعودة إليهم ، والعودة إلى الديار الحبيبة . قلت : سبحان اللّه ، هذا رمز في نجد ، قلب الجزيرة ، ورمز في خان يونس ، في أطراف جزيرة العرب ، كيف اجتمعا ؟ وكيف بقي مغروسا في النفوس عشرات القرون ؟ فعددت هذا رمزا لوحدة العرب في جميع بقاعهم ، إنه رابط من آلاف الروابط التي لا تنفصم ، ومع ذلك يصرّ الأعداء على فصم عرى الأخوة ، فقسموا أوطان العرب إلى دويلات ، وزعموا أن لكل إقليم خصائص متفرّدة ، وهم كاذبون ، وإنما أرادوا اجتثاث جذور الوحدة ؛ ليحلوا محلها عادات إقليمية حديثة ، وما أظنهم يقدرون